ابن خلدون
391
تاريخ ابن خلدون
وكان في طاعة السلطان فدخل إليه شيخنا وأقام عنده مدة قرأ عليه فيها وحصل واجتمع طلبة العلم هنالك على الشيخ فكثرت افادته واستفادته وعلى ابن محمد في ذلك على محبته وتعظيمه وامتثال إشارته فغلب على هواه وعظمت رياسته في تلك القبائل ولما استنزل السلطان أبو سعيد علي بن تروميت من جبله نزل الشيخ معه وسكن بفاس وانثال عليه طلبة العلم من كل ناحية فانتشر علمه واشتهر ذكره فلما فتح السلطان أبو الحسن تلمسان ولقى أبا موسى ابن الإمام ذكره له بأطيب الذكر ووصفه بالتقدم في العلوم وكان السلطان معتنيا بجمع العلماء بمجلسه كما ذكرناه فاستدعاه من مكانه بفاس ونظمه في طبقة العلماء بمجلسه وعكف على التدريس والتعليم ولزم صحابة السلطان وحضر معه واقعة طريف وواقعة القيروان بإفريقية وكانت قد حصلت بينه وبين والدي رحمه الله خلة كانت وسيلتي إليه في القراءة عليه فلزمت مجلسه وأخذت عنه العلوم العقلية بالتعاليم ثم قرأت المنطق والأصلين وعلوم الحكمة وعرض أثناء ذلك ركوب السلطان أساطيله من تونس إلى المغرب وكان الشيخ في نزلنا وكفالتنا فأشرت عليه بالمقام وثبطناه عن السفر فقبل وأقام وطالبنا به السلطان أبو الحسن فأحسنا به العذر فتجافى عنه وكان من حديث غرقه في البحر ما قدمناه وأقام الشيخ بتونس ونحن وأهل بلدنا جميعا نتساجل في غشيان مجلسه والاخذ عنه فلما هلك السلطان أبو الحسن بجبل هنتاتة وفرغ ابنه أبو عنان من شواغله وملك تلمسان من بنى عبد الواد كتب فيه يطلبه من صاحب تونس وسلطانها يومئذ أبو إسحاق إبراهيم ابن يحيى في كفالة شيخ الموحدين بن تافراكين فأسلمه إلى سفيره وركب معه البحر في أسطول أبى عنان الذي جاء فيه السفير ومر ببجاية ودخلها وأقام بها شهرا حتى قرأ عليه طلبة العلم بها مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه برغبتهم في ذلك منه ومن صاحب الأسطول ثم ارتحل ونزل بمرسى هنين وقدم على أبي عنان بتلمسان وأحله محل التكرمة ونظمه في طبقة أشياخه من العلماء وكان يقرأ عليه ويأخذ عنه إلى أن هلك بفاس سنة سبع وخمسين وسبعمائة وأخبرني رحمه الله أن مولده بتلمسان سنة احدى وثمانين وستمائة ( وأما عبد المهيمن ) كاتب السلطان أبى الحسن فأصله من سبتة وبيتهم بها قديم ويعرفون ببني عبد المهيمن وكان أبوه محمد قاضيها أيام بنى العزفي ونشأ ابنه عبد المهيمن في كفالته وأخذ عن مشيختها واختص بالأستاذ أبى اسحق الغافقي ولما ملك عليهم الرئيس أبو سعيد صاحب الأندلس سبتة ونقل بنى العزفي مع جملة أعيانها إلى غرناطة ونقل معهم محمد بن عبد المهيمن استكمل قراءة العلم هنالك وقرأ على مشيختها ابن الزبير ونظرائه وتقدم في معرفة كتاب سيبويه وبرز في علو الاسناد وكثرة المشيخة